الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

13

مناهل العرفان في علوم القرآن

ودليلنا على أن الترجمة تتضمن دعوى الاطمئنان إلى ما حوت من معان ومقاصد ، هو شهادة العرف العام أيضا بذلك ، وجريان عمل الناس جميعا في الترجمات على هذا الاعتبار . فهم يحلونها محل أصولها إذا شاءوا ، ويستغنون بها عن تلك الأصول . بل قد ينسون هذه الأصول جملة ، ويغيب عنهم أن الترجمات ترجمات ، فيحذفون لفظ ترجمة من الاسم ، ويطلقون عليها اسم الأصل نفسه ، كأنما الترجمة أصل ، أو كأنه لا أصل هناك ولا فرع . وإن كنت في ريب فاسأل ما بين أيدينا من ترجمات عربية لطائفة من كتبهم التي يقدسونها ، ويطلقون على بعضها اسم توراة ، وعلى بعضها اسم إنجيل ، وما هما بالتوراة ولا بالإنجيل ، إنما هما ترجمتان عربيتان لأصلين عبريين « 1 » باعترافهم . ولكنهم أسقطوا وأسقط العرف العام معهم لفظ ترجمة من العنوانين الاثنين . وما ذاك إلا لما وقر في النفوس من أن الترجمة صورة مطابقة للأصل ، مطمئنة إلى أنها تؤدى جميع مؤداه ، لا فرق بينهما إلا في القشرة اللفظية . وقل مثل ذلك فيما نعرفه من ترجمات للقوانين والوثائق الدولية والشخصية ، ومن ترجمات للكتب العلمية والفنية والأدبية ، وهي كثيرة غنية عن التنويه والتمثيل . يقال كل هذا في الترجمات ، ولا يمكن أن يقال مثله في التفسير ، فإننا ما سمعنا ولا سمع الدهر أن كلمة تفسير أسقطت من عنوان كتاب من كتبه . بل المعروف عكس ذلك . فكثيرا ما يسقط في الاستعمال اسم الأصل المفسر ، على حين أن لفظ التفسير لا يسقط بحال . ويدل على هذا تلك الاطلاقات الشائعة : تفسير البيضاوي ، تفسير النسفي تفسير الجلالين ، وما أشبهها من تفسيرات القرآن الكريم . ألم يكف بهذا سندا على

--> ( 1 ) صوابه : « غير عربيين » وذلك لأن إنجيل مرقس ولوقا ويوحنا أصلها يوناني ، أما إنجيل متى فأصله عبرى .